بسم الله الرحمن الرحيم
البرد يلف المكان .. كأن كل شيء من حولي قد تجمد
والمطر الغزير يتساقط كحبات اللؤلؤ ..
يضرب كل شيء في جسدي ..
عبثاً حاولت الهروب من المطر
عبثاً حاولت الاختباء .. كل شيء من حولي أصابه هذا الوابل
بدأت أشعر بضيق في الصدر
وبدأت أشعر بتجمد في أطرافي
توقف المطر .. وأنا أقف تحت أحد أعمدة الشارع
الوقت كان متأخراً والظلام الحالك يغطي المكان
إلا من نور ذلك العامود الذي أختبأت وراءه
تلحفت يداي .. وأخذت أنفخ فيهما علي أدفئ وجنتاي ..
ربما ذلك النَّفَس الذي يخرج من صدري يدفئ وجهي
وعبثاً مرة أخرى أحاول .. فحتى النَّفَس يخرج متجمداً من صدري
تمر السيارات بجانبي .. وترشقني ببقايا المطر ..
أصبحت كالغريب عن تلك المدينة .. وأصبح العالم من حولي متناثراً ..
استسلمت للأمر الواقع ..
فكل محاولاتي باءت بالفشل ..
وكأن صوتاً من داخلي يهمس .. عن من أنت تدافع ..
فلم يبقى فيك إلا جسداً بالياً .. امتلأ ببقايا المطر .. بل امتلأ بالطين ..
نظرت من حولي .. كل شيء قد ابتل
حتى أنا أصبحت جسداً ملقى على رصيف مبتل ..
وقررت أن أنام .. علِّي أنسى ظلمة المكان
علِّي أنسى البرد الذي ارتجفت منه أوصالي
وغبت عن الزمان !!
وبسرعة البرق غفوت .. وبدأت الأحلام !!
سرعان ما أتت أميرة بأبهى فستان ..
تلبس الأبيض وشعر داكن أسود .. ووجه يملؤه نور الايمان
أمسكَت بيدي وأدخلنتي مكان .. أشبه بالبستان
أشجار من حولي وثمار وينبوع ماء وجنة من الجنان
نظرت إليها بشوق .. لأعرف من تكون تلك الملاك
فهذا الفعل محال أن يصدر من إنسان
فنحن في زمن نسينا كيف تكون الانسانية
ونسينا معنى الاخوة واندثرت منذ عهد بعيد مشاعر الحنان
منذ أن ماتت أمي وأنا لا أعرف إلا الحرمان ..
عدت لأنظر من جديد .. ومرة أخرى أفشل !!
حتى بالنظر إلى وجه تلك الجميلة فشلت .. فنور وجهها
لا أستطيع النظر إليه مباشرة بعين مجردة ..
فأنا لم أتعود على النور .. كل حياتي مضت في ثغور
تعودت عيني على الظلام .. الظُلم .. على أقسى مشاعر تراود الانسان
حتى عند طلوع الشمس كنت أختبئ فنور النهار يحرقني ويصب قلبي بالانهيار..
فأنا لست إلا أحد المشردين الذين يحيون في الليل .. ويموتون في النهار ..
أمسكت تلك الحورية بيدي .. وسرت في جسدي قشعريرة ..
سبحان الله الناس تصيبها القشعريرة من البرد أما أنا فعكس كل البشر
ان لامسني الدفء أصابتني القشعريرة ..
منذ أمسكت يدي وكأن الدم جرى في عروقي من جديد
أصابني احساس فريد ..
لم أشعر به منذ أن ماتت أمي وغدوت في هذه الدنيا وحيد ..
حضنتني ..
وخجلتُ من نفسي .. خشيت أن أدنِّس نورها بقذارتي
حشيت أن يصيبها بعض من تشردي وحرماني ..
خشيت أن تلفها الهموم مثلما تسكنني ..
حاولت ان أفهمها .. سيدتي لست إلا أحد المشردين
اتركيني أبحث عن ثَغر أسكنه أنا والفئران
فنحن هنا من الذين نسيهم الزمان ..
أتركيني أشعل ناراً .. أتلحف جسدي .. أطارد طيفي ..
اتركيني وابتعدي فأنا لست إلا أحد المقهورين ..
في زمن لا يحيا فيه إلا الجبارين ..
ابتعدت تلك الأميرة فيبدو أنها عرفت أن لا رجاء
من الذين عاشو زمنا من الجفاء ..
حتى في أحلامي يهاجمني ذلك الوباء ..
القهر .. الحرمان .. الفقر .. حتى أبسط الحقوق حق الحلم ..
صارت من الممنوعات على المشردين ..
وكالعادة .......
استيقظت على شرطي يطلب الإفادة
هويتك .. أوراقك .. من أنت .. لم أنت .. لم أصلا أنت حَي !!